السيد محمد باقر الصدر

مقدمة 223

المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )

تمهيد : استعرضنا في النوع الأول العناصر الأصولية المشتركة في الاستنباط القائم على أساس الدليل ، فدرسنا أقسام الأدلّة وخصائصها ، وميَّزنا بين الحجّة منها وغيرها . ونريد الآن أن ندرس العناصر المشتركة في حالةٍ أخرى من الاستنباط ، وهي حالة عدم حصول الفقيه على دليلٍ يدلّ على الحكم الشرعي وبقاء الحكم مجهولًا لديه ، فيتّجه البحث في هذه الحالة إلى محاولة تحديد الموقف العملي تجاه ذلك الحكم المجهول بدلًا عن اكتشاف نفس الحكم . ومثال ذلك : حالة الفقيه تجاه التدخين ، فإنّ التدخين نحتمل حرمته شرعاً منذ البدء ، ونتّجه أوّلًا إلى محاولة الحصول على دليلٍ يعيّن حكمه الشرعي ، فلا نجد دليلًا من هذا القبيل ، ويبقى حكم التدخين مجهولًا لدينا لا ندري أحرمة هو أم إباحة ؟ وحينئذٍ نتساءل : ما هو الموقف العملي الذي يتحتّم علينا أن نسلكه تجاه ذلك الحكم المجهول ؟ هل يتحتّم علينا أن نحتاط فنجتنب عن التدخين ؛ لأنّ من المحتمل أن يكون التدخين حراماً ، أوْ لا يجب الاحتياط ، بل نكون في حرّيةٍ وسعةٍ ما دمنا لا نعلم بالحرمة ؟ هذا هو السؤال الأساسي الذي يعالجه الفقيه في هذه الحالة ، ويجيب عليه في ضوء الأصول العملية بوصفها عناصر مشتركةً في عملية الاستنباط ، وهذه الأصول هي موضع درسنا الآن .